أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
305
التوحيد
فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) الحق الذي - في الكلام عليه في أول هذا الكتاب ( ليس بحال في شيء من الموجودات ) به من جميع العوالم كما سبق أن جميع الموجودات إنما هي موجودات به لا بنفسها ولا بغيره إذ لا غيره أصلا ( ولا متحد بها ) أي بالموجودات المذكورة ( لأن الحلول والاتحاد لا بد لهما من وجودين مستقلين ) وجود الحال ووجود المحل ووجود المتحد ووجود المتحد به ( حتى يحل أحدهما في الآخر ) بحيث يكون أحدهما مظروفا في الآخر والآخر ظرف له ( و ) حتى ( يتحد أحدهما بالآخر ) بحيث يصير أحدهما عين الآخر والآخر عينه ( والوجود ) الحق المذكور جل وعلا ( واحد ) أي لا وجود أصلا غيره ، ولا يمكن أن يكون وجود آخر غيره لا قديم ولا حادث ، لأنه لو كان ثمة وجود آخر غيره لكان إلها آخر غيره ، لأنه إن كان قديما كان مثل الوجود الحق تعالى ، فيكون إلها لا محالة والإله الآخر محال ، كما علم من براهين الوحدانية المشهورة في علم الكلام وعلم الحكمة . وإن كان حادثا لزم أن يكون أولا عدما ثم صار وجودا ، فإما أن يصير وجودا بنفسه وهو محال للزوم تقدم الشيء على نفسه ضرورة تقدم السبب على المسبب ، وإما أن يصير وجودا بالوجود القديم تعالى بحيث لولا الوجود القديم لبقي عدما وما صار وجودا ، فيكون هو في نفسه باعتبار نفسه عدما كبقية صور العالم ، وإنما هو وجود باعتبار إضافة الوجود القديم إليه أو إضافته إلى الوجود القديم ، كالدنيا المشرقة ظاهرا بنور الشمس هي في نفسها مظلمة ، وإنما المشرق حقيقة في الدنيا نور الشمس لا الدنيا صارت في نفسها مشرقة حقيقة بنور الشمس ، والعوالم كلها كذلك موجودات بوجود الحق تعالى كما قال سبحانه اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي منور هما ظاهرا بنوره وقال تعالى وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها والنور هو الوجود الحق تعالى لأنه من أسمائه الحسنى ، فالإشراق للأرض ظاهرا والنور ليس للأرض كما أن النور لرب الأرض والإشراق الظاهر ليس له تعالى لأن الإشراق قبول تأثير النور والرب تعالى لا يقبل تأثير غيره فيه لأنه قديم وغيره حادث ، فإذا كان الوجود الحادث إنما صار وجودا بإضافة الوجود القديم إليه أو بإضافته إلى الوجود القديم كالأشياء كلها فلا تكون الأشياء كلها صارت بإضافته إليها أو بإضافتها إليه موجودة لأنه عدم مثلها ، فلا وجود أصلا إلّا الوجود القديم تعالى ، فهو واحد قال العارف باللّه تعالى الشيخ كمال بن محمد بن فخر بن علي اللاري قدس اللّه سره في شرحه على الرسالة الزوراء ما ملخصه : قد برهن في العلوم الحكمية الرسمية على أن كل ممكن له وجود فوجوده عارض لحقيقته والفطرة السليمة بالبديهة قاضية بأن ثبوت كل صفة لموصوف فرع على ثبوت الموصوف في نفسه ، وقد اعترف أصحاب العلوم الرسمية ببداهة تلك المقدمة الكلية بدون استثناء